مقالات

د. عبدالحليم قنديل يكتب: لماذا تنتصر روسيا ؟

بقلم الكاتب الصحفي الدكتور عبد الحليم قنديل

كثيرا ما نسمع عن فشل خطة الرئيس الروسى “فلاديمير بوتين”، والدليل الذى يساق لك فى العادة ، أن حملة “بوتين” فى أوكرانيا قادت إلى العكس مما تمنى ، فقد كان يريد إبعاد حلف شمال الأطلنطى “الناتو”عن حدود روسيا ، بينما تؤدى مخاوف مصاحبة للحملة إلى مضاعفة حدود “الناتو” المباشرة مع روسيا ، بدفع دولتى “السويد” و”فنلندا” إلى طلب الانضمام لحلف “الناتو” ، و”فنلندا” لها حدود مباشرة مع روسيا تزيد على 1300 كيلومترا ، وقد كانت “فنلندا” محايدة عسكريا كما يزعم على مدى مئة سنة مضت ، بينما كانت “السويد” على الحياد العسكرى لمئتى سنة ، وانضمام البلدين لحلف “الناتو” يقلب الموازين لغير صالح روسيا ، ويشدد الحصار من حولها ، ويستنزف طاقتها على البقاء الآمن كما يفترض .
وعلى الرغم مما يبدو من وجاهة ظاهرة فى الأقوال أعلاه ، إلا أن قوة إقناعها تبدو صورية تماما ، فالسويد وفنلندا عضوان فى منظمة “الاتحاد الأوروبى” ، وجرى دفعهما أمريكيا كما الآخرين إلى منازلة روسيا فى حرب أوكرانيا الجارية ، وقدمتا ما استطاعتا من سلاح ومال إلى جماعة الرئيس الأوكرانى “فولوديمير زيلينسكى” ، وقد بلغ ما قدمه الأمريكيون والأوروبيون فى الحرب علنا إلى ما تزيد قيمته على المئة مليار دولار حتى اليوم ، ومن دون أن يؤدى الإنفاق الرهيب إلى ماتمنوه من إضعاف روسيا ، وهو ما يعنى أن مبدأ الحياد العسكرى لفنلندا والسويد كان شعارا بغير تطبيق فعلى ، أضف إلى ذلك ما هو معلوم من حقائق التاريخ غير البعيد ، التى تثبت أن دعوى حياد فنلندا المجاورة لروسيا ، لم تمنع حكوماتها ، ولا حجبت أراضيها ، عن التحول لميادين حرب ، وعلى مراحل متعددة ، كان آخرها فى ما عرف باسم “الحرب العالمية الثانية” ، خصوصا فى المعارك الضارية المميتة بين قوات النازية الهتلرية وقوات الجيش الأحمر السوفيتى ، وقد انتهت إلى ضم روسيا لعشر مساحة الدولة الفنلندية ، إضافة لاستيلاء روسيا النهائى على جيب “كالينينجراد” على بحر البلطيق الذى تطل عليه “فنلندا” ، وتبلغ مساحة “كالينينجراد” أكثر من 15 ألف كيلومتر مربع ، وعدد سكانه الروس يفوق المليون نسمة ، وهو منفصل جغرافيا عن اليابسة الروسية ، وفيه مقر قيادة أسطول البلطيق الروسى ، وقد بادرت روسيا أخيرا بترك “مجلس دول بحر البلطيق” ، وهو ما يعنى الإنهاء الفورى لاتفاقات التعاون والسلام السابقة ، ربما تمهيدا لاستثمار إقليم “كالينينجراد” للحد الأقصى ، وجعله خنجرا نوويا مغروسا فى قلب الغرب الأوروبى الأطلنطى ، إضافة لنشر قواعد عسكربة وصاروخية نووية على طول الحدود مع “فنلندا” ، بالتواقت مع نشر 50 صاروخا نوويا عالمى المدى من طراز “سارمات 2” فى الخريف المقبل ، فضلا عن فرص نشر صواريخ “الليزر” القادرة على إحراق الأقمار الصناعية بدقائق ، وإلى غيرها من المفاجآت المخبئة فى جيب “الحاوى” الروسى ، وبما يضع أمن أوروبا ـ بما فيها فنلندا والسويد ـ تحت خطر تهديدات أمنية وجودية ، قد تفوق بمراحل ما تتعرض له روسيا بتوسعات “الناتو” .
والسر ببساطة ، أن التوسع الجغرافى لحلف “الناتو” ، يقابله الامتداد الجغرافى الهائل لروسيا وحدها ، وهى أكبر بلدان الدنيا مساحة (17 مليون كيلومتر مربع) ، وتمتد حدودها البرية والبحرية مع دول نصف الكرة الشمالى كله ، ومع “أمريكا” نفسها عبر مضيق “بيرينج” ، وبقدر ما توفر المساحة الشاسعة لروسيا من موارد ومرونة فى احتمال الضغوط ، فإنها ترتب مخاطر وجودية فى كل اتجاه ، تدفع القيادة الروسية لمضاعفة قدراتها العسكرية البرية والبحرية والجوية ، ليس فقط فى اتجاه الغرب الأوروبى وحلف “الناتو” ، ولروسيا وحدها أربعون بالمئة من مساحة أوروبا ، وقد فقدت مع انهيار الاتحاد السوفيتى “حلف وارسو” ، وتعرضت لإذلال تاريخى ، صحت بعده مع حكم “بوتين” إلى قيامة جديدة ، وأقامت حلفا بديلا تحت اسم “معاهدة الأمن الجماعى” ، يضم خمس دول إلى جوار روسيا ، إضافة لعلاقة “بلا حدود” مع الصين الزاحفة إلى عرش العالم اقتصاديا بالذات ، وهو ما مكن روسيا من الاستطراد فى مواجهة التهديد الغربى الأطلنطى ، عبر صيانة تماسكها الداخلى فى حروب الشيشان ، ثم بحرب “جورجيا” الخاطفة فى 2008 ، وحرب “القرم” و”ميناء سيفاستبول” عام 2014 ، وصولا إلى ما تسميه روسيا اليوم “العملية العسكرية الخاصة” فى أوكرانيا ، التى استطالت أيامها وشهورها ، وتحولت إلى حرب عالمية تحت المستوى النووى ، تواجه فيها روسيا وحدها تحالفا من خمسين دولة وأكثر ، تصورت به أمريكا قائدة حلف “الناتو” ، أن بمقدورها هزيمة روسيا ، بفرض عقوبات من عشرة آلاف صنف ، بهدف استنزاف موسكووسحق اقتصادها ودفعها للركوع ، وربما للتحلل الذاتى تحت ركام الضغوط الاقتصادية والحربية غير المسبوقة كونيا .
وقد لا تبدو هزيمة روسيا ممكنة ، هذا على الأقل ما يذكرنا به التاريخ ، واقترانه باتساع الجغرافيا الروسية ، وتنوع بيئاتها وتضاريسها وفصولها ، وصحيح أن التاريخ لا يعيد نفسه بذات الطريقة والتفاصيل ، لكن قانونه يبقى فعالا على الدوام ، وقد تعرضت روسيا لمحن حربية واقتصادية مريعة ، قد لا يكون المجال متسعا لعد مراحلها ، نكتفى فحسب بذكر أخطر غزوتين من الغرب لروسيا ، غزوة “نابليون” الكبرى عام 1812 ، وغزوة “هتلر” الأكبر بأربعة ملايين جندى لروسيا فى عملية “بارباروسا” عام 1941 ، وفى الحالين نزفت روسيا بغزارة ، وزاد عدد قتلاها فى الحرب النازية على 25 مليونا ، لكن الهزيمة النهائية كانت من نصيب “هتلر” كما “نابليون” ، وكان الجيش الروسى أسبق الحلفاء إلى تحطيم أسطورة هتلر واحتلال “برلين” ، ولا أحد عاقل يتوقع للرئيس الأمريكى العجوز “جو بايدن” مصيرا نوعيا أفضل من نهايات “نابليون” و”هتلر” ، وقد تطورت وتنوعت أساليب الحروب ، لكن احتمالات النصر الروسى تبدو الأرجح ، ولأسباب شتى ، بينها القوة النووية والصاروخية لروسيا ، وهى الأكبر والأخطر بامتياز فى دنيانا اليوم ، وتمنع مجرد التفكير فى غزو روسيا عسكريا ، وقد لا يكون وضع روسيا الاقتصادى مكافئا لاتساع جغرافيتها وعظمة مواردها ، فالناتج الإجمالى لاقتصاد روسيا اليوم ، يساوى بالكاد عشرة بالمئة من الناتج الإجمالى الأمريكى المعلن ، لكن حصار روسيا ومقاطعتها ماليا وتجاريا ، لم يؤد إلى دهس الاقتصاد الروسى كما حلم “بايدن” ، بل كانت المفارقة فى حدوث العكس بالضبط ، فقد توقع “بايدن” انهيارا فوريا فى العملة الروسية “الروبل” ، وقد كان الدولار الأمريكى الواحد يساوى نحو 90 “روبل” قبل بدء حرب أوكرانيا ، وتوقع “بايدن” أن يصل الدولار الواحد إلى ما يزيد على 200 “روبل” ، وكانت المفاجأة المدوية ، أن “الروبل” تضاعفت قيمته بعد تراجع مؤقت ، وأصبح أفضل عملات العالم أداء بشهادة المؤسسات المالية الأمريكية ذاتها ، وتراجع الدولار إلى ما يساوى 55 “روبل” لا غير ، وجرت المباراة الاقتصادية على الهواء ، وبإجراءات ذكية متلاحقة من إدارة “بوتين” الروسية ، التى لجأت لاستثمار المزايا النوعية لا الكمية للاقتصاد الروسى ، وفرضت تسعير الغاز الروسى بعملة “الروبل” على شركاء “بايدن” الأوروبيين ، الذين عجزوا حتى اليوم عن فرض حظر فورى على البترول والغاز الروسيين ، وتكاثرت متاعب التضخم فى اقتصادات أوروبا المنقادة وراء إدارة “بايدن” ، وفيما بدا التحالف الأطلنطى متماسكا بقوة فى أسابيع الحرب الأولى ، فقد زحفت عليه أعراض التشقق واختلاف المصالح ، فيما بدت روسيا قادرة على تنويع تحالفاتها وشراكاتها وبدائلها ، واستعدادها للذهاب إلى حافة الهاوية فى حروب الاقتصاد والسلاح ، وإلى حد بدا معه حلم عزل روسيا مستحيل التحقق ، فبوسع موسكو الاستناد إلى الجدار الصينى ، وبوسع موسكو أن تعيد تكييف اقتصادها ، وأن تفيدها العقوبات فى نهوض صناعى وتكنولوجى مدنى ، يقارب امتيازها المشهود فى الصناعات العسكرية والنووية ، وأن تسهم مع بكين فى تخليق نظام مالى عالمى جديد ، يفكك تدريجيا هيمنة الدولار ، المفروض بلا سند مقنع كعملة احتياط دولية ، وفى الميدان الأوكرانى الحربى المباشر ، نزفت روسيا عسكريا فى البداية ، لكنها راحت تستعيد خصالها التاريخية المعتادة ، ومن دون احتياج إلى إعلان حالة الطوارئ والتعبئة العسكرية العامة ، ومع الحفاظ على حجم القوة المحاربة ، جرى تغيير تكتيكاتها فى صمت ، وراحت تتقدم إلى أهدافها المعلنة بتمهل ونفس هادئ ، لكن مع قضم متصل للشرق والجنوب الأوكرانى ، ليس بالتقدم الغالب فى إقليم”الدونباس”وحده ، بل بالسيطرة على كامل “خيرسون” ومساحات كبيرة من مقاطعات “زابوريجيا” و”خاركيف” و”ميكولايف” ، وربما التقدم إلى “أوديسا” لعزل أوكرانيا تماما عن “البحر الأسود” بعد الاستيلاء التام على “بحر آزوف ” ، مع استمرار القصف الصاروخى والجوى المتلاحق ، واستنزاف شحنات السلاح الغربية المتدفقة ، والاحتفاظ بورقة إنهاء الحرب إلى الوقت الملائم لروسيا ، ربما فى نهايات الصيف أو مطالع الخريف المقبل .
Kandel2002@hotmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
Don`t copy text!